الشيخ محمد حسين الحائري

121

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

ولعل الخصم يتعسف فيكتفي في ترتب الذم والعقاب على فعل يتعلق التكليف بضده وهو كما ترى أو يلتزم بأن كلا من ماهية الوجوب والحرمة مركبة من مطلوبية شئ ومبغوضية شئ فوجوب الواجب مركب من مطلوبية الفعل ومبغوضية الكف وحرمة الحرام مركبة من مبغوضية الفعل ومطلوبية الكف فكما يصح ترتب الثواب على فعل المطلوب كذلك يصح ترتب العقاب على فعل المبغوض ويشكل هذا البيان بأن المطلوبية والمبغوضية صفتان متقابلتان كالفعل والترك فمتى اتصف أحدهما بإحداهما وجب بحكم التقابل أن يتصف الاخر بالأخرى فإذا اتصف الفعل بالمطلوبية لزم أن يتصف الترك بالمبغوضية على حسب مطلوبية الفعل وإذا اتصف الفعل بالمبغوضية وجب أن يتصف الترك بالمطلوبية على حسب مبغوضية الفعل وأما الكف فلا تقابل له مع الفعل فلا يجدي اتصافه بالوصف المقابل الخامس ما أورده في المعالم من أن تارك المنهي عنه كالزنا مثلا يعد في العرف ممتثلا ويمدحه العقلا على أنه لم يفعل من دون نظر إلى تحقق الكف عنه بل لا يكاد يخطر الكف ببال أكثرهم وذلك دليل على أن متعلق التكليف ليس هو الكف وإلا لم يصدق الامتثال ولم يحسن المدح على مجرد الترك هذا كلامه وفيه نظر يظهر مما سيأتي ولو قال تارك المنهي عنه لأجل النهي يعد ممتثلا بالترك ويمدح عليه تم وسلم عن الاشكال ولك أن تجعل هذا دليلا سادسا احتج الخصم بأن الترك عدم فلا يؤثر القدرة فيه فلا يتعلق التكليف به فلا يكون مطلوبا بالنهي فيتعين الحمل على الكف إذ لا يخرج عنهما اتفاقا وهو المطلوب والدليل على أن القدرة لا تتعلق بالعدم أن العدم نفي محض وهو لا يصلح أثرا للقدرة وأنه سابق على القدرة وتأثير المتأخر في المتقدم غير معقول وأنه مستمر أزلي والقدرة تستدعي أثرا متجددا يستند إليها لا يقال العدم قد يكون مسبوقا بالوجود كترك القيام بعد حصوله فهو متأخر عن القدرة متجدد بعدها فينتقض كلية الدعوى في الدليلين الأخيرين لأنا نقول الكلام في الاعدام الخاصة ولا ريب في أنها أزلية إذ عدم قيام زيد في وقت خاص مستمر من الأزل أو نقول إذا ثبت المقصود في الاعدام الأزلية ثبت في غيرها لعدم الفارق والجواب أن الترك ليس مجرد العدم بل جعله والتسبب له ونمنع من عدم كون العدم مقدورا كيف ولو لم يكن العدم مقدورا لم يكن الوجود أيضا مقدورا لتساوي نسبة القدرة إلى طرفي الوجود والعدم إذ القدرة على أحدهما خاصة اضطرار لا قدرة ودعوى أن العدم المحض لا يصلح أثرا للقدرة مصادرة وقد تحقق في محله أن أثرية كل أثر بحسبه مع أن المطلوب بالنهي جعل عدم لاحق للموجود وله عند بعض أهل المعقول حظ من الوجود الاعتباري باعتبار وجود منشأ الانتزاع وليس المراد أن العدم السابق على القدرة مستند إليها بل العدم المقارن فإن عدم الفعل قبل وجود الفاعل يستند إلى عدمه وعدم علمه وقدرته وإرادته وهذا غير مقدور له ولا مطلوب منه بالنهي وبعد وجوده ووجود علمه وقدرته يستند إلى عدم إرادته فقط وهذا مقدور له لاستناده في الحقيقة إلى القادر من حيث كونه قادرا وتوضيحه أن القادر المختار إذا علم ببعض مقدوراته الفعلية فلا بد له من أن يختار إما فعله فيريده أو تركه فلا يريده وليس له حينئذ حالة ثالثة فكل من إرادته وعدمها مستند إلى اختياره فيستند أثرهما إليه لا محالة أو نقول يكفي في استناد العدم إلى القدرة توقفه على عدم تعلقها برفعه عند حصول شرائطها وهذا القدر من الاستناد كاف في صحة التكليف به قطعا كما يكفي في صحة التكليف بمسبب مجرد القدرة على سببه المعد لحصوله على أن المراد بأزلية العدم إن كان أزليته بحسب الذات فممنوع لان الفعل ممكن والممكنات في حد ذواتها عرية عن وصفي الوجود والعدم وإن كان أزليته بحسب الزمان فدعوى عدم تأثير القدرة فيه مطلقا ممنوعة إلا أن هذا المنع إنما يتجه بالنسبة إلى القدرة الأزلية ومحل البحث إنما هو القدرة الحادثة وقد يجاب بأن أثر القدرة استمرار العدم لا نفس العدم ولا نسلم أن استمراره لا يصلح أثرا للقدرة لان القادر يمكنه أن لا يفعل فيستمر أو يفعل فلا يستمر فأثر القدرة إنما هو الاستمرار المقارن لها وهو مستند إليها ومتجدد بها وفيه نظر لان استمرار العدم وبقاءه صفة له فيكون معدوما أيضا لا محالة فهو إذن بحكم العدم في عدم جواز تعلق القدرة والتكليف به على ما أفاده دليل الخصم فإن تم لزم عدم جواز تعلق التكليف به أيضا وإلا فلا مانع من تعلقه بنفس العدم فالتفرقة غير مسموعة مع أن الاستمرار غير معقول فيما إذا كان العدم مسبوقا بالفعل ودعوى أن الاعدام الخاصة أزلية كما سبقت لا جدوى لها هاهنا لظهور أنه لا يفهم من النهي طلب استمرار الاعدام الخاصة باعتبار كونها أزلية مع أن الخصوصية إن اعتبرت قيدا للعدم فهو حادث قطعا لانتفائه قبلها وإنما يتم دعوى أزلية الزمانية إن اعتبرت الخصوصية قيدا للمعدوم فقط على أن هذا مناف لما ذكر في الدعوى من تعلق الطلب بنفس العدم إذ على هذا البيان يلزم أن يكون المطلوب بالنهي استمراره لا نفسه وفيه أيضا خروج عن وضع الصيغة فإن المتبادر منها طلب ترك الطبيعة كما عرفت لا طلب استمرار الترك السابق ويمكن أن يتمسك في دفعه أيضا ببعض الوجوه التي أسلفناها في دفع القول بالكف وقد يستدل على القول المذكور بأن المطلوب بالنهي لو كان نفس العدم لزم أن يكون المكلف ممتثلا ومثابا بمجرد الترك ولو لغير الامتثال والتالي باطل أما الملازمة فلإتيانه بالمطلوب وأما بطلان التالي فبشهادة العرف والعقل وقد يضاف إلى ما ذكر في التالي حصول الامرين على تقدير الترك حال عدم القدرة على الفعل وهو خطأ لان التكليف بأنواعه لا يتعلق بالمكلف في غير حال القدرة والجواب لا نسلم أن الاتيان بالمطلوب بمجرده يوجب الامتثال بل إنما يوجبه إذا كان الداعي